تأملات في سورة البقرة (351-400)
لقد ذكر المفسرون والسياق القرآني أن بني إسرائيل بدلوا أمر الله تعالى لهم من الخضوع بالقول والفعل حين أُمروا أن يدخلوا الباب سجداً وأن يقولوا حطة أي احطط عنا ذنوبنا، فاستهزءوا وقالوا حنطة في شعيرة، وهو ما يعد في غاية المخالفة والمعاندة التي استحقوا بها العذاب بفسقهم وخروجهم عن طاعته، لتتوالى بعد ذلك نعم الله تعالى عليهم على عهد موسى عليه السلام وبعد وفاته على عهد يوشع بن نون عليه السلام حين أمر الجيل الجديد بدخول المدينة المقدسة والأكل منها حيث شاءوا رغداً، بخلاف ما جاء في سورة الأعراف من عطف الأكل على السكن الذي يدل على تجاوز مرحلة الدخول إلى السكن وأكل الرزق الطيب، ليتعلم المسلمون من هذا الدرس القرآني العظيم أن فترة التيه كفيلة بإعادة تنظيم الصفوف ولم الشمل وإعداد العدة لاستعادة القدس والمقدسات الإسلامية بالعودة إلى تطبيق تعاليم الكتاب العزيز وسنة المصطفى، حيث أمروا بدخول باب المدينة المقدسة منحنين ركوعاً تواضعاً لله واستغفاراً له ليحط عنهم خطاياهم، لكن الذين ظلموا بدلوا القول وقالوا خلاف ما أُمروا به فأنزل عليهم رجز من السماء بفسقهم وظلمهم، كما يظهر في قصة استسقاء موسى لقومه في التيه حين تفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً ليأكلوا ويشربوا من رزق الله ولا يعثوا في الأرض مفسدين، ليعودوا مرة أخرى للتبرم وضيق العطن حين طلبوا من موسى أن يدعو ربه ليخرج لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقتائها وفومها وعدسها وبصلها مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير، مما أدى إلى ضرب الذلة والمسكنة عليهم وبوائهم بغضب من الله لكفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير الحق بسبب عصيانهم واعتدائهم، ولينتقل السياق بعد ذلك إلى بيان حال الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين بأن من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، مشيراً إلى ميثاق الطور ورفع الجبل فوقهم ليأخذوا ما أتيناهم بقوة ويذكروا ما فيه لعلهم يتقون قبل أن يتولوا من بعد ذلك لولا فضل الله ورحمتهم، فضلاً عما جرى لأصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر ممن اعتدوا في السبت فصادوا الحيتان وتحايلوا عليها فمسخهم الله قردة خاسئين لتكون عقوبتهم نكالاً وموعظة للمتقين، ولتبدأ بعد ذلك قصة البقرة التي أمر موسى قومه بذبحها حين قالوا أتتخذنا هزواً فقال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، استجابةً للأمر الإلهي وتصحيحاً لقلوب أشربت حب العجل، لتتدرج القصة بعد ذلك نحو بيان الحكمة من ذبح البقرة وضرب القتيل ببعضها ليحييه الله ويهدي القوم إلى الاعتبار بقدرة الخالق وتجنب المعاصي والضلال.